top of page

حكاية دمية لم تصل إلى الرف

  • صورة الكاتب: عبدالله الشرهان
    عبدالله الشرهان
  • 21 يناير
  • 12 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 24 يناير


في كل مرة أشارك فيها رسمة شخصية كرتونية لطيفة على وسائل التواصل، لا يمر وقت طويل قبل أن ينبثق السؤال السحري من أحد المتابعين بابتسامة بريئة: “تراك مقصر في هذه الشخصية، ليش ما تسوّي منها دمى؟ بتصير غني!”

(نعم، وكأنها وصفة أم علي).

 

لكن المفاجأة؟

لقد فعلت. ليس مرّة، بل مرتين. فتحت محلين. ملأت الرفوف بالدمى، وملأت قلبي بالأمل. والنتيجة؟ دعنا نقول إن عدد الزوار اليومي كان يمكن إحصاؤه على أصابع إحدى الدمى نفسها، والمبيعات؟ كانت كافية لتغطية مصاريف المستودعات التي خزنّا فيها البضاعة التي لم يشترِها أحد.

 

هل المشكلة في الشخصية؟

أبدًا. هل هي في التنفيذ؟ أبدًا.

هي ببساطة في الفجوة الكونية بين أن ترسم شخصية كرتونية وبين أن تحوّلها إلى منتج يُباع في مول مكتظ بأطفال يشدّون آباءهم نحو الألعاب، بينما يحاول الآباء (بيأس نبيل) العثور على طريق مختصر لا يمر بجانبها، في آخر محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من الراتب حتى نهاية الشهر.

 

المشكلة أن الجميع يعتقد أن صناعة شخصية كرتونية تشبه وصفة أندومي: دقيقة تفكير، دقيقة رسم، دقيقة تسويق، ودقيقة ربح.

 

يعتقدون أن بإمكانك تصميم شخصية، ثم تدخل على موقع ذكاء صناعي، تكتب له “أرنب ظريف بملامح محلية”، فيصمم لك صورة، ترسلها إلى مصنع في الصين، وتستيقظ صباحًا لتجد “لابوبو 2.0” يملأ الرفوف ويزاحم بيكاتشو على القلوب.

 

لكن دعني أخبرك عن الواقع بدون فلاتر.


خذ نفسًا عميقًا، لأن القصة مؤلمة أكثر من نهاية مسلسل كوري. أعرف أحدهم استثمر مليون درهم.. كل ذلك بعد إنتاج مسلسل كرتوني لشخصية لطيفة. افتتح متجرًا أنيقًا، ملأه بالدمى، الأقلام، الكراسات، الملصقات، والقمصان. بعد ٣ أشهر فقط؟ أُغلق المتجر. لم يغطِ حتى رواتب الموظفين، دعك من تكاليف التخزين، الجرد، الإيجار، والكرتون الذي غُلّفت به الأحلام. أما الآخر فقد دفع المبلغ نفسه، ليس على المنتجات هذه المرة وإنما كرسوم حماية الملكية فقط، لكن ذلك لم يحمه من تجار "المدينة العالمية" الذين أغرقوا السوق بالمنتجات المقلدة، وأتقنوا فن الاختفاء من حملات التفتيش أكثر .


أما عن تجربتي، فربما كنت أوفر حظا قليلًا


في لحظة ما ستتمكن من تجاوز كل ذلك بعد أن تُخرج أول دفعة من منتجات شخصيتك، ستشعر أنك أنجزت شيئًا عظيمًا.


لكن الحقيقة؟


ستكتشف أن قطعة واحدة لن تكفي.

الناس يحبّون التنويع، يريدون “مجموعة”، وليس دمية وحيدة في علبة.

ستكتشف أنك بحاجة إلى عشرة أصناف على الأقل. وكل صنف؟ ألف قطعة على أقل تقدير.

(هل تذكّرك هذه الأرقام بعدد متابعيك؟ لا؟ ممتاز، لأن لا أحد منهم سيدفع!)


حتى لو نجحت في بيع دفعة، فمعدل الدوران المنطقي يعني أنك بحاجة إلى تشكيلة جديدة كل ثلاثة أشهر، وإلا لن يجد زبائنك الأوفياء (الذين يُعدّون على أصابع نفس الدمية) شيئًا جديدًا ليشترونه كل ثلاثة أيام.


وهنا يظهر أول عنق زجاجة:

محلك الصغير أو موقعك الإلكتروني، الذي صنعته بجهدك أو بمساعدة شريكك المتحمّس، لن يكفي لتصريف آلاف المنتجات المكدسة في المستودع.

ثم تأتي لحظة الغرور المبكر: نجاح صغير يجعلك تفتح فرعًا ثانيًا، وربما ثالثًا… لتكتشف أن ليس كل فرع يبيض ذهبًا. بعضها لا يبيض شيئًا، وبعضها يفقس عليك ديونًا.


ولا ننسى فئة “الزوار السياحيين” لمتجرك:

يفتّشون الرفوف، يتصفحون الكتب على الرفوف كأنها مكتبة عامة، وربما يصوّرونك في فيديو عن “تجربة المكان”، ثم يمشون… دون أن يدفعوا فلسًا.


وحتى أولئك الذين يفكرون بالشراء، لم يعد يكفيهم المنتج وحده.


الناس اليوم يتوقّعون منك تجربة متكاملة:

إضاءة ليزر، موسيقى تصويرية، مؤثرات خاصة، وربما روبوت يصب القهوة وهو يشرح قصة الشخصية.

فقط بعدها، وربما، سيأخذ أحدهم “ذكرى صغيرة” إلى البيت.

(وعلى الأغلب ستكون الميدالية التي فيها شعار الشخصية لأنها الأرخص).


إذا كان الأمر بهذا التعقيد، فلماذا يبدو الأمر في غاية السهولة عندما تزور شارع الشخصيات في محطة طوكيو؟


اليابان.. ذلك البلد الذي يجعلك تشعر أنك فاشل وأنت في كامل نجاحك

 

الناس يحبون اليابان، ليس فقط لقطاراتهم التي تصل في وقتها، أو لروبوتاتهم التي تحييك بابتسامة، بل أيضًا لأنهم يعرفون كيف يصنعون من شخصية كرتونية، “علامة تجارية وطنية”.

 

خذ مثالًا بسيطًا: السكين اليابانية. في أي مطبخ راقٍ، ستجد سكينًا مصنوعة يدويًا في قرية اسمها ناسيشوكاناسمها (أو شيء شبيه بذلك). وتُباع هذه السكين بما يعادل قسط سيارة.

 

لماذا؟ لأن الياباني لم يخلط بين صناعة السكين وتسويقها. لم يطلب من الحداد أن يطبع بروشورات. هناك حداد يصنع. وهناك مسوّق يروّج. وهناك مصمم يبتكر. وهناك مدير سلسلة إمداد ينقلها إلى باريس.

 

وأنت؟ تريد من الرسّام أن يصبح مصنع دمى، ومحاسب، ومشرف شحن، ومدير محتوى، ومؤثر على تيك توك، وربما أن يعمل في توصيل الطلبات بنفسه إن أمكن.

 

لكن.. لماذا لا تأخذون منه ترخيص استخدام بدلاً من أن تدفنوه؟

 

بدلاً من سؤال الرسّام لماذا لا يصنع دمى، اسأل نفسك: لماذا لم تدفعوا له نظير ترخيص استخدام شخصيته؟ هل تعلم أن ترخيص شخصية كرتونية بسيطة في اليابان يمكن أن يُدرّ على المبدع دخلاً مدى الحياة؟ لا يطلبون منه أن يتحول إلى “مُوزع حصري لشخصياته”. فقط اسم على الورق، وبعض الأصفار على الشيك.


ديزني لم تكتفي بشخصياتها. اشترت "مارفل" و"بيكسار" و"ستار وورز"، ووسّعتهم عالميًا بالترخيص والتعاون، فهي لم تسأل جورج لوكاس: "ليش ما تفتح محل سيوف ليزر؟"


لكننا هنا نفضل أن نطلب منه أن “يصنع نموذج عمل جديد” أو “يستفيد من الفرص الكامنة”. ولأن التمويل شحيح، نقترح عليه أن يصمم “نموذج أولي مجانًا”، فقط ليراه مجلس الإدارة. ثم نرسل الشخصية إلى لجنة. ثم لجنة اللجنة. ثم تتوه الشخصية في البريد الداخلي. ثم ننسى الموضوع، ونقترح مشروعًا جديدًا: “نريد شخصية كرتونية بسرعة، بدون تكلفة، ولها أثر عالمي. وبالمناسبة، نفضل أن يكون شكلها يشبه ابن المدير قليلاً.”

 

التركيز.. فلسفة كان يمكن أن ننقذ بها ما تبقى

 

في اليابان، يركز صانع السكاكين على سكاكينه. لا يصنع مقلاة جانبية ولا يفتح قناة على يوتيوب لشرح وصفات أمه. أما نحن، فنحب أن نجرب كل شيء.. في نفس الوقت.. وبنصف الميزانية.. وبربع الخبرة.. وبثلث الحماس.. وبكل الأمل الموجود في هذا الكون.

 

والنتيجة؟

“منتج” ليس له هوية. وشخصية بلا روح. ودمية في متجر “كل شيء بريالين” محشورة بين زرافة خضراء وسبايدرمان عليه شعار سوبرمان.

 

الخلاصة

إذا كنت رسّامًا، وبارعًا في رسم الشخصيات المحبوبة، فربما عليك فقط أن تواصل الرسم.

وإذا كنت مسؤولًا في مؤسسة، وتريد دعم المبدعين، فربما عليك فقط أن… لا تطلب منهم أن يصبحوا مصنعين وتجارًا وشركات تسويق وموظفي خدمة عملاء في نفس الوقت.

 

أعطِ الخبّاز خبزه، وأعطِ الرسّام لوحته، وأعطِ مصنع الدمى… عقدًا محترمًا.

 

لكن لماذا لا يحدث هذا الأمر؟

“قائدنا التقليدي لا يرحّب بالأفكار، إلا إذا كانت من صنع مطبخه الخاص (ويُفضل أن يكون هو من قطّع البصل بيده!)”

 

في كثير من المؤسسات ستجد هذا القائد، غالبًا يحمل لقبًا براقًا، وحذاء لا يقل لمعانًا عن لقبه، يتحدث بصوت منخفض لكن نبرته لا تخلو من السلطة. تجده حاضرًا في كل مناسبة، يتصدر كل تقرير، ويضع توقيعه في نهاية كل مبادرة (حتى لو كانت فكرة إعادة تعبئة ورق الطابعة).

لكنّ ما لا يقوله لك أحد، أن هذا القائد يملك حساسية مفرطة تجاه أي فكرة لا تخرج من أروقة مؤسسته، أو (دعني أكون أكثر دقة) من مكتبه الخاص، أو على الأقل من أحد مساعديه الذين يرتدون نفس لونه المفضل في العادة.

 

تطرح عليه فكرة خارجية؟

تتلقى الرد نفسه دائمًا، بنبرة الأب الحاني: “نقدّر الجهد المبذول، ولكننا نملك فريقًا يعمل ليل نهار على هذه المواضيع.” (وكأن فريقه قد تم تحويله إلى وحدة عسكرية خاصة).

 

ثم تبدأ المسرحية المعتادة:

صور في الاجتماعات، شرائح باوربوينت، خطط عشرينية لتطوير ما هو موجود أصلًا منذ العصر البرونزي، وتصريحات في وسائل الإعلام تقول بأن الفريق يعمل “بكل تفانٍ” وأن النتائج قادمة “في القريب العاجل”… (والمقصود بالعاجل، الجيل القادم).

 

هؤلاء القادة لا يرفضون الفكرة لأنها سيئة، بل لأنهم لم يكونوا من كتبوا عنوانها.

 

ترخيص استخدام؟ هذه كلمة لا تُقال هنا

 

لكن ماذا لو تم طرح فكرة ترخيص استخدام شخصية كرتونية، أو تطبيقًا، أو حتى مقترحًا تعليميًا من جهة خارجية؟

 

ثقافة الترخيص بالنسبة للبعض ليست تعاونًا، بل “تهديدًا لسيادة المؤسسة”، وكأننا نتحدث عن دولة ذات سيادة لا يُسمح للطائرات المعادية (أي أفكار من الخارج) بدخول مجالها الجوي، بل يُنظر للفكرة المستوردة وكأنها شهادة فشل ضمنيّة للفريق الداخلي. “هل تعني أن فريقي لا يعمل؟ نحن نعمل! نحن نسهر! نحن نُضحّي!”

 

(حتى لو كانت النتيجة النهائية هي إعادة تسمية نفس المشروع القديم مع تغيير لون الشعار).

 

وهذا عكس ما تنادي به نظرية الابتكار المفتوح الذي طورها  هنري تشيسبورو، والتي تدعو إلى الاستفادة من الأفكار والمواهب خارج حدود المؤسسة، ودمجها في العملية الإنتاجية بدلاً من بناء كل شيء داخليًا.

 

فعلى سبيل المثال، ليغو لديها برنامج رسمي يتيح للمبدعين إرسال تصميماتهم، وإن تم قبولها، تقوم الشركة بتصنيعها، توزيعها عالميًا، وتتقاسم الأرباح معهم.

 

عن الفرق بين

شخصية لها مبتكرها

وتعويذة المؤسسة


الناس يظنون أن بإمكان المؤسسة “صنع” شخصية كرتونية ناجحة… بنقاش سريع في اجتماع.


في الواقع؟ الشخصية الكرتونية التي تنجح ليست مجرد شكل جميل واسم لامع.

إنها كيان خرج من روح المبدع، جزء من تجاربه، أسئلته، طفولته، وحتى لحظات ضعفه.


لهذا، حين ترسم شخصية وتشاركها، فأنت لا تشارك منتجًا، بل جزءًا من نفسك.


بينما الشخصية المؤسسية؟

غالبًا ما تولد ميتة.

باردة. بلا ماضٍ. بلا تجربة.

تعويذة تعكس رؤية مجلس الإدارة أكثر مما تعكس أي إحساس حقيقي.

ليست لها قصة، ويصعب على الناس الوقوع في حبها… لأنهم لم يجدون فيها شيئا منهم ليحبوه.


ترخيص الاستخدام ليس كارثة مالية، بل خطوة منطقية وعادلة.


(لا تقلق، الرسّام لن يشتري يختًا من رسوم الترخيص… يمكنك الجلوس الآن)!


الرسوم التي سيدفعها من يرخص استخدام شخصية من رسّام غالبًا تكون:


·       نسبة بسيطة من المبيعات (5-10%)، أو

·       أو مبلغ ثابت سنوي معقول حسب نطاق الاستخدام.


أي أن الرسام لا يفتح بيتًا ولا يشتري سيارة من أول عقد، بل في أفضل السيناريوهات، وعلى افتراض أن المبيعات وصلت لملايين القطع  (وهذا نادر، وعدد سكان المنطقة العربية ذات القوة الشرائية العالية أصلاً لا يُبشّر بذلك)، فربما يستطيع أن يستأجر ستوديو صغير، ويدفع فواتيره بكرامة.

والأهم من ذلك:


·       الحكومة لن تضطر لتوظيفه لاحقًا ضمن قوائم الباحثين عن عمل.

·       وسيبدأ الاقتصاد الإبداعي في الدوران الذاتي: عمل، إنتاج، ضرائب، فرص جديدة.


بمعنى آخر: الترخيص ليس عبئًا… بل استثمار ذكي في تحريك السوق، دون كلفة حقيقية.

 

“افعلها بنفسك”… حتى وإن لم تعرف كيف

 

هذا النمط من القادة يعاني من “متلازمة الملكية الخاصة”. يريد أن يكون كل شيء “من إنتاج المؤسسة”، بختم المؤسسة، تحت إشراف المؤسسة، وبطابع المؤسسة، حتى لو انتهى الأمر بمنتج غير قابل للاستخدام، أو تأخر عن السوق بعشر سنوات.

 

الفكرة الوحيدة التي تحظى بالقبول؟ هي الفكرة التي قُدّمت في عام سابق، ورفضها في وقتها، ثم أعاد تقديمها بنفسه، لكن بمسمى جديد كليًا، ومع قالب بوربوينت أكثر لمعانًا.

 

خلاصة القول:

الضرر ليس فقط في أن الفكرة رفضت، بل في أن ثقافة كاملة تُغتال كل يوم أمام أعيننا: ثقافة التعاون، والتكامل، والترخيص، والاعتراف بجهد الآخرين.

 

ولو أن اليابان تعاملت مع الشخصيات الكرتونية بنفس طريقة بعض مسؤولينا، لما عرف العالم شيئًا اسمه بوكيمون، ولا استقبلك سوبر ماريو في المطار، ولكان هالو كيتي مجرد رسمة على دفتر أحد أطفال الصف الثالث، ينتظر من يعترف به.

 

سأفعل كل شيء بنفسي إذًا


لماذا يبدو إنتاج لعبة أو مجموعة ملصقات أكثر تعقيدًا في الواقع مما هو عليه في الأحلام؟

 

تبدأ القصة عادة بجملة بريئة:

 “واو! شخصيتك رهيبة!

لازم تسوّي منها دمية!”

وأنت، بسذاجتك المدفوعة بالحماس، تبتسم، تهز رأسك، (وربما إلى اليمين واليسار أحيانًا)، وربما تهمس لنفسك: “لمَ لا؟”

 ثم تبدأ ترسم، وتعدّل، وتُجمل، حتى تصل إلى تحفتك البصرية…

وتطلق عليها اسمًا حركيًا مثل "برافو".

برافو عليك فعلًا.

 

تغلق جهازك، ترفع هاتفك، وتراسل أول مصنع في الصين يظهر في موقع علي بابا، ترسل الصورة، وتكتب بثقة المنتصر: “كم يكلف تصنيع هذه الدمية؟”

 

الرد؟ “أدنى كمية ألف قطعة. نحتاج تصميمًا صناعيًا. ملف ثلاثي الأبعاد. مادة التصنيع؟ بلاستيك؟ بولي يوريثين؟ PVC؟”

 

وهنا، تتوقف للحظة… وتدرك أنك لا تفهم أيًا من هذا.

ما الفرق بين التصميم الصناعي والرسم؟ أليست كلّها صور في النهاية؟ أليس هذا هو القرن الواحد والعشرين؟ لماذا لا يمكنهم استخدام الرسم فقط؟ أليسوا “مصنعًا”؟

 

لا يا عزيزي. المصنع لا يهتم بالفن. المصنع يهتم بشيء واحد فقط: أن يسحب المال من جيبك بنفس سرعة سحب بياناتك من التطبيق المجاني الذي نزلته البارحة.

 

التصميم الصناعي؟ من هذا؟

 

هناك بشر (نعم، بشر حقيقيون) يدرسون لسنوات فقط ليعرفوا كيف تُطوى قطعة بلاستيك دون أن تنكسر، أو كيف يمكن لحذاء صغير بلاستيكي أن يلتصق بقدم دمية دون أن يطير في أول رفّة. هؤلاء هم مصممو المنتجات. أولئك الذين، عندما يرون لعبتك المصممة على كانفا، يُصابون برجفة في العين، ويتوسّلون لك بأن لا ترسلها إلى المصنع، حرصًا على سمعتك وسمعتهم.

 

أتساءلت يومًا لماذا تكتب شركة أبل بفخر

“Designed in California. Assembled in China.”

وليس:

 “من تصميم ولدي اللي عمره شهرين، ادعموه بلايك وفولو على الإنستغرام"

ونرسلها للصين وخلّصنا.”

 

السبب؟ لأن هناك فارقًا كبيرًا (أعني شاسعًا) بين أن ترسم شخصية ظريفة على ورقة، وبين أن تحوّلها إلى منتج ينجو من حرارة المصنع، وبرودة الشحن، وفوضى الجمارك، ونظرة الزبون الساخط حين يقول: “غالي!”

 

لحظة.. هل حسبت كل هذا؟

 

دعني أقدّم لك قائمة صغيرة بالمصائب التي في انتظارك:


1.    أدنى كمية تصنيع: ألف قطعة. ولأنك لا تملك محلًا في المول، ستكون أنت و”برافو” زملاء غرفة لسنوات.

2.     الشحن الدولي. ستدفع للشحن أكثر مما دفعته على تصميم الشخصية أصلًا. وإن كان الشحن البحري، فربما تصل الشحنة بعد أن تكون الموضة تغيّرت.

3.    التخليص الجمركي. وهنا تبدأ مشاهد الجزء الثاني من الفيلم، حيث تكتشف أن كلمة “برافو” تعني شيئًا غير قانوني في لغة إحدى الدول، فيُعلّقون شحنتك حتى تصدر فتوى تجيزها.

4.     التوزيع. هل تظن أن قطعتك ستذهب إلى رف المتجر بنفسها؟ لا يا صديقي، تحتاج لأسطول سيارات أو جيش من أبناء إخوتك العاطلين عن العمل. وإن كنت تعتمد على نفسك، فاعتبرها عضوية مجانية في النادي الرياضي.

5.    صفحة التواصل الاجتماعي. تعرضها، تصورها، تضع موسيقى مبهجة، تنتظر التعليقات، فتأتيك أول رسالة، ثم تخبره “تعال خاص.” ثم “غالية.” ثم seen بدون رد.

6.    الرخصة التجارية والمحاسبة. آه، نسيت؟ إذًا ستقضي أسابيع تتنقل بين جهات حكومية، تصف فكرتك للموظف الذي لا يهتم، وتتعلم المحاسبة وضريبة القيمة المضافة والخصم والتكلفة والهامش، حتى تنسى آخر مرة أمسكت فيها القلم لترسم.

7.    وفي كل ليلة، وأنت تتناول عشاءك على طاولة مغطاة بكرتون “برافو”، وبينما ضيوفك يجلسون على صناديق الشحن لأن المجلس محتل بالكامل، تتساءل: هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟


لأن القدر أيضًا عنده جدول محتوى!


أنت تظن أن كل شيء تحت السيطرة. التصميم جاهز، المصنع بدأ الإنتاج، أول دفعة في الطريق، الفيديو الترويجي في المونتاج… وفجأة:


أمطار استوائية تُغرق مستودع الشحن في يوم وصول البضاعة.


أو موجة وباء جديدة تُغلق المولات فجأة (والمصانع، والجمرك، ونفسيتك معها).


أو خلل بسيط في خط الإنتاج يجعل عيون الدمية في مكان الأنف، ويحوّلها من “شخصية محبوبة” إلى كابوس بصري يُخيف حتى القطط.


أو انقطاع في منصة الدفع الإلكتروني في يوم الافتتاح.


وهنا تدرك معنى عبارة: “القوة القاهرة”.


فكل مشروع إبداعي صغير، خصوصًا إن كان فرديًا، هشّ ككوب خزف جميل. يكفي ارتطام واحد بسيط من ظرف خارجي، لتكتشف أن كل تعبك… تحوّل إلى قطع متناثرة لا يُجمّعها إلا إعلان الإفلاس.


الظروف الخارجة عن السيطرة جزء من كل مشروع حقيقي، خصوصًا إن لم يكن لديك فريق إدارة أزمات، أو مظلة قانونية، أو حتى مظلّة عادية تحمي بضاعتك من المطر.

 

وكل هذا ليس سوى البداية وهو ما يتوافق مع نموذج سلسلة التوريد الذي طوره الاقتصادي مايكل بورتر عام 1985 ، حيث يقترح أن أي منتج ناجح يجب أن يمر عبر سلسلة متكاملة: التصميم، الإنتاج، التسويق، التوزيع، وخدمة ما بعد البيع.

فعلى سبيل المثال، لم تكن "هالو كيتي" مشروعًا فرديًا، بل ثمرة تعاون بين الرسامة يوكو شيميزو وفريق تسويق وتصنيع عالمي.

الشركة وفّرت لها: التراخيص، الإنتاج، التوزيع، حماية الملكية، وبنت شخصية وصلت للعالم كله، دون أن تطلب من الرسامة "فتح سجل تجاري".

فلو طُلب من مصممة  هالو كيتي أن توصل لعبتها للمولات بنفسها، لظلت مجرد رسمة منسية في دفتر ياباني قديم.

 

إذًا، يا من سألتني: لماذا لا تصنع منها دمية؟

 

عزيزي الذي سألني هذا السؤال بكل حماس، والنية الطيبة تملأ ملامحك: هل الجواب الآن كافٍ؟

 أم أرسل لك واحدًا من كراتين “برافو” التي تزين مدخل بيتنا كمزهرية بديلة؟

 

 

 الحل المقترح: “من الرسّام إلى الرف”… كيف يمكن أن يحدث ذلك فعلًا؟

 

 دعونا نعود خطوة إلى الوراء، ونتوقف عن لوم الرسّام لعدم تحوّله إلى رجل أعمال في عطلة نهاية الأسبوع. الحل لا يكمن في دفع المبدع إلى حفرة المحاسبة والجمارك والشحن البحري، بل في بناء منظومة متكاملة تفهم الفرق بين الإبداع والإنتاج.

 

في نظريته المتعلقة بالتخصص وتقسيم العمل، شدد آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" (1776)، على أهمية تقسيم العمل لزيادة الكفاءة، وضرب مثالًا بمصنع المسامير: إنتاج عشر مسامير بيد عامل واحد، مقابل آلاف تُنتج عند تقسيم الأدوار.

 

قسّم العمل، تنجح.  تحمل كل العمل، وافشل.

 

في أفضل الممارسات العالمية، هناك جملة بسيطة تلخص العملية كلها:

“أنت ارسم، نحن نتكفّل بالباقي.”

نعم، لا أكثر ولا أقل.

 

وهذه ليست مقولة شاعرية، بل منظومة حقيقية تعمل في العالم الحقيقي.


حكاية بوب مارت: من الغرفة إلى الرف

 

لنأخذ الصين كمثال.

“بوب مارت” شركة بدأت بفكرة بسيطة: تصميم شخصيات فنية لطيفة وتحويلها إلى دمى “فينيل” تُباع في صناديق مفاجآت. وصلت قيمتها السوقية إلى أكثر من تسعة مليارات دولار، وأغلب المصممين يعملون من منازلهم!

شخصيات مثل مولي وديمو ولابوبو وهيرونو أصبحت علامات تجارية عالمية، ليس بفضل الرسام فقط، بل بفضل المنظومة.

 النتيجة؟

 الرسّامون يرسمون فقط. الشركة تتولى:

·       التصميم الصناعي

·       عمليات التصنيع

·       إدارة العقود والتراخيص

·       التوزيع العالمي

·       التسويق

·       وحتى حضور المعارض الفنية نيابة عن الرسّام أحيانًا

 

ما الذي فعله الرسّام؟ جلس في بيته، رسم شخصية، أرسلها لهم، ونام مرتاحًا. ما الذي فعلوه؟ نقلوا شخصيته من الورقة إلى رف متجر في طوكيو، شيكاغو، ميلان، الدوحة… ثم أرسلوا له أرباحه، يقرأ إيداع البنك وهو على الأغلب يعزم صديقه على كوب قهوة فيرد عليه: “شكرًا لأنك أبدعت.”

 

وهذا ما يتوافق مع المفهوم الاقتصادي الحديث "الإنتاج المتخصص"، فكما هو الحال في القهوة المختصة، لا نريد إنتاجًا جماهيريًا عشوائيًا، بل نريد منتجًا متخصصًا مصممًا بعناية. وينجح هذا النموذج فقط حين يتعاون المبدع مع المصنع المحترف والمستثمر الذكي.

 

هل ترى كم هو بسيط عندما توجد منظومة تؤمن بأن الإبداع لا يحتاج أن يحمل طابعة فواتير؟

 

من المزرعة إلى الملعقة… وعبقرية اللوجستيات المنسية


كما أن هناك من يبدع في رسم شخصية يحبّها الناس من أول نظرة، هناك أيضًا من يُتقن، وبدهاء خفي، إنتاج وتوزيع وبيع ٢٠٠ ألف لتر حليب يوميًا... قبل أن يفسد. عملية تبدأ عند أول "موو" في المزرعة، وتنتهي عند آخر ملعقة في بيت المستهلك، وتتطلب سلسلة معقّدة من المهارات: ضبط الإنتاج، التحكم بدرجة الحرارة، إدارة التوريد، التعامل مع الجمارك، التحرك السريع عند الأزمات، والقدرة على التوزيع المتزامن عبر عشرات المدن.


والآن، تخيّل أن يُطلب من مصمم محتوى في فريق التواصل الاجتماعي، أن يقوم بكل ذلك باستخدام الذكاء الصناعي… وأن يُسلّم في الوقت المحدد، بالجودة المطلوبة، وبميزانية فيها فائض.

هنا فقط تدرك حجم الخلل.


الخلل الأكبر؟حين تعتقد مؤسسة عامة أن فريق الاتصال الؤسسي (المكوّن من أربعة موظفين، ثلاثة منهم في إجازة)  سيتولّى رسم الشخصية، وتطوير منتجها، وتصميم العبوة، والتفاوض مع المصنع، وتأمين الشحن، وإنشاء خطة تسويق رقمية، وعقد شراكات دولية… ثم يظهر في المؤتمر السنوي ويقول:"هذه كانت رؤية الفريق".


سلسلة النجاح، تمامًا مثل سلسلة تبريد الحليب، لا تقبل القفز على المراحل، ولا المجازفة بالمهام، وإلا فسد الحليب، وتحوّل المشروع إلى عبء كريه الرائحة…تمامًا كالكرتون المنسي في مخزن أحد المبادرات.

 

 ماذا يمكننا فعله؟

 

إن كنا جادين فعلًا في دعم صناعة الإبداع، فهناك بعض الحلول الواقعية التي يمكن تنفيذها:  

 

1.    بناء تحالفات التخصص

 منصة تجمع المبدعين (رسامين، مصممين) مع شركاء من:

·      مصانع معتمدة

·      مصممين صناعيين

·      شركات توزيع

·      فرق تسويق رقمية  

 

 بحيث يتم تبنّي المشروع من ألفه إلى يائه دون تحميل الرسّام مسؤولية دفع فاتورة التخليص الجمركي.

 

2.   مكاتب “تحويل الإبداع إلى منتج”

جهة حكومية أو خاصة تتبنى المشاريع الإبداعية المحلية مقابل نسبة، تتولى الترخيص والتصنيع والتسويق، أشبه بشركة إدارة مواهب، لكن للمحتوى البصري والمنتجات الإبداعية.  

 

3.     نشر ثقافة “الترخيص” بدلًا من الاستحواذ

 

·      دعونا نتوقف عن التعامل مع الأفكار وكأنها أسرار نووية.

·      بدلًا من احتكارها أو محاولة تصنيع كل شيء داخليًا، لماذا لا نفعل منظومة ترخيص الاستخدام؟ مثل ما تفعل ديزني، و”نينتندو”، و”مارفل”.

·       الفكرة الجيدة لا تحتاج أن تملكها بالكامل، بل أن تدعمها وتربح منها.  

 

4.   إدخال مفهوم “الوكالة الإبداعية”

·      المبدع لا يبيع لعبته، بل يوكل من يمثلها، مثل أي فنان أو لاعب كرة.

·      والوكيل يتولى إدارة الحقوق والتوزيع، وهذا ينشئ سوقًا حقيقية للصناعة الإبداعية، وليس مجرد مبادرات فردية على الإنستغرام. وأخيرًا…  

 

حين تفصل بين الإبداع والتصنيع، تظهر النتائج على الرف، وحين تخلطهما في الخلاط، لا تنتج إلا فوضى مكلفة تنتهي في مجلس بيتك على هيئة كراتين لا تُباع.

 

هذه حكاية دميتي، التي ولدت في زماني، وفي الظروف التي تهيأت لي، ومن يدري، ربما تكون حكاية دميتك وظروفك أوفر حظًا مني… 


فإذن أيها السائل الكريم الذي سأل: “لماذا لا تصنع من شخصيات حمدون وقفشة دمى؟”

 الجواب اليوم ليس مجرد تنهيدة، بل عرض عمل:  

“أنا أرسم، هل تريد أن تتكفّل بالباقي؟”

 ويا حبذا لو جاء الرد:

 “تم.”



 
 
 

تعليقات


Subscribe and stay on top of our latest news and promotions

اشترك في القائمة البريدية لتصلك أحدث الأخبار والعروض أولاً بأول

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon

©2024 Abdulla Alsharhan

isharhan.com

bottom of page